الاربعاء 26 فبراير 2025 | 12:13 صباحاً
في قلب المأساة، تظل هناك أصوات تُصرّ على الاستمرار في نقل الحقيقة مهما كان الثمن. الصحفية الفلسطينية رولا الدرة، التي انطلقت في عالم الصحافة عام 1999 مع تلفزيون فلسطين، لم تكن مجرد شاهد عيان على الحروب التي ضربت غزة، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من تلك المأساة. ففي السابع من نوفمبر 2024، فقدت زوجها وابنها ووالدتها في قصف إسرائيلي عنيف، بينما أصيبت بجروح بالغة أفقدتها القدرة على المشي. ورغم كل هذا لا تزال مؤمنةً بدور الصحافة في توثيق الواقع الفلسطيني وإيصال صوته إلى العالم.
في هذا الحوار الحصري تتحدث رولا الدرة عن رحلتها الصحفية مروراً بالمعاناة التي عاشتها وأثر الحروب على حياتها وحياة الفلسطينيين، وصولاً للتحديات التي يواجهها الإعلام الفلسطيني، ورؤيتها لمستقبل غزة بعد الدمار الذي لحق بها. وفيمايلي نص الحوار:
حديثنا عن مسيرتك الصحفية؟
رغم الصعوبات والتحديات التي يواجهها قطاع غزة، اخترتِ مهنة الصحافة، ما الذي دفعكِ لاختيار هذه المهنة؟ وكيف تطورتِ في هذا المجال على مدار أكثر من عقدين من الزمن؟ وهل تغيرت نظرتك للصحافة مع مرور الوقت؟
بدأتُ العمل في الصحافة منذ عام 1999، وكان دافعي الأساسي هو نقل الواقع الفلسطيني كما هو، وتوثيق معاناة الشعب الفلسطيني. الصحافة كانت بالنسبة لي وسيلة لتحقيق العدالة، وإيصال صوت غزة إلى العالم. خلال السنوات الأخيرة تطورتُ بشكل كبير من حيث الخبرة والمهارات، لكن نظرتي للصحافة لم تتغير؛ ما زلت أرى أنها السلاح الأقوى لفضح الواقع.
غزة شهدت العديد من الحروب التي تركت أثراً عميقاً على الحياة اليومية للسكان. برأيكِ، كيف أثرت تلك الحروب على المجتمعات الفلسطينية هناك؟
الحروب المستمرة في غزة تسببت في تدمير البنية التحتية بشكل شبه كامل، ما جعل الحياة اليومية أشبه بالكابوس. المدارس والمستشفيات والمنازل تدمرت، وتهجر العديد من الفلسطينيين. الصحافة تلعب دوراً حاسماً في توثيق هذا الواقع، فمن خلال تغطية الحياة في زمن الحرب، يمكننا أن نكشف المعاناة الحقيقية ونقدم صورة دقيقة للعالم عن حجم الدمار والمجازر.
تعرضتِ لمأساة شخصية في الحرب الأخيرة بفقدان أسرتكِ وإصابتكِ بجروح خطيرة. كيف أثر ذلك على حياتكِ الشخصية والمهنية؟ وكيف نجحتِ في العودة إلى عملكِ الصحفي رغم هذه الصدمات الكبرى؟
خسارة زوجي وطفلي ووالدتي في القصف الإسرائيلي كان أقسى شيء مررت به في حياتي. إضافة إلى إصابتي التي جعلتني عاجزة عن المشي لفترة طويلة. رغم كل شيء، الصحافة كانت تظل جزءًا من حياتي، وأردت أن أستمر في هذا العمل لأكون صوتاً لمن فقدوا حياتهم وأحبائهم. التغلب على هذه المأساة لم يكن سهلاً، لكن رسالتي كانت أكبر من أي ألم شخصي.
في سياق تغطية الأوضاع في غزة، يرى البعض أن وسائل الإعلام العربية والدولية تتخذ أحيانًا مواقف متحيزة، خاصة لصالح الرواية الإسرائيلية. كيف ترين هذا التوجه؟ وهل تلاحظين تأثير ذلك على طريقة فهم العالم لما يحدث في فلسطين؟
الإعلام الدولي كثيراً ما يتجاهل الحقيقة ويقف إلى جانب الرواية الإسرائيلية. كثيراً ما يتم إخفاء الحقائق أو تشويهها. على سبيل المثال، عندما نتحدث عن الضحايا الفلسطينيين، نرى الإعلام يصفهم أحيانًا بأنهم “مسلحون” أو “إرهابيون”، بينما الواقع عكس ذلك تمامًا. هذا التحيز يؤثر على كيفية فهم المجتمع الدولي للقضية الفلسطينية، مما يجعلنا في حاجة شديدة إلى نقل الحقيقة بشفافية ودقة.
الشباب الفلسطيني يواجه تحديات كبيرة للعمل في الصحافة وسط الأزمات والضغوط. ما هي النصائح التي تقدمينها لهم للنجاح في هذا المجال؟ وما المهارات الأساسية التي يجب أن يمتلكها الصحفي الفلسطيني ليكون مؤثراً في نقل رسالته للعالم؟
أهم نصيحة يمكن أن أقدمها للشباب الفلسطيني هي الصبر والمثابرة. الصحافة في غزة تتطلب جرأة وإرادة قوية، فالعالم لا يرى الحقيقة من خلال الإعلام إلا إذا كانت التغطية صادقة وجريئة. يجب أن يكون الصحفي الفلسطيني مسلحاً بالمعرفة الدقيقة والمهارات الأساسية مثل الكتابة السريعة، والتحليل العميق للأحداث، واستخدام التكنولوجيا بفعالية.
بعد الدمار الهائل الذي لحق بغزة بسبب الحروب المتعاقبة، ما هي الأولويات التي يجب التركيز عليها في عملية إعادة الإعمار؟ وكيف يمكن للدول العربية والمجتمع الدولي دعم هذه العملية بشكل فعال؟
أولوية إعادة الإعمار يجب أن تكون تركز على بناء البنية التحتية الأساسية مثل المدارس، المستشفيات، والإسكان. إضافة إلى ذلك، هناك ضرورة كبيرة لإعادة بناء الاقتصاد الفلسطيني الذي دمر بشكل كامل. الدول العربية والمجتمع الدولي يجب أن يضعوا خطة دعم شاملة تأخذ بعين الاعتبار احتياجات الشعب الفلسطيني بشكل كامل، كما يجب عليهم تقديم الدعم المالي والمساعدات اللازمة.
الصحفيون في غزة يتعرضون لتهديدات مباشرة أثناء تغطيتهم للأحداث. ما أبرز التحديات التي يواجهها الصحفي الفلسطيني أثناء تغطية النزاع؟ وكيف يتم التعامل مع القصف والاستهداف المباشر لهم أثناء عملهم؟
الصحفيون في غزة يواجهون خطر الاستهداف المباشر من قبل القوات الإسرائيلية. كثيرًا ما تكون هناك محاولات لتشويش أو تدمير أدوات عمل الصحفيين مثل الكاميرات، أو حتى تدمير مكاتب الأخبار. نحن مطالبون بأن نكون يقظين طوال الوقت. التحدي الأكبر يكمن في العمل تحت القصف المباشر، حيث نضطر إلى اتخاذ قرارات سريعة في ظل بيئة غير آمنة.
الإعلام الفلسطيني ما زال يعاني في الوصول إلى الجمهور الدولي بشكل مؤثر. كيف يمكن للإعلام الفلسطيني أن يعزز تأثيره على الساحة الدولية؟ وما الذي يحتاجه لتوسيع نطاق وصوله وتوضيح قضيته بشكل أكثر فعالية؟
الإعلام الفلسطيني بحاجة إلى توسيع التعاون أكثر مع وسائل الإعلام الدولية لتعزيز حضور القضية الفلسطينية. كما يجب أن نركز على بناء تحالفات مع الصحفيين والإعلاميين العالميين لدعم قضيتنا.
رغم ما يعانيه القطاع من صعوبات ومعاناة مستمرة، تبقى غزة نموذجاً للصمود. ما الذي يجعلكِ متمسكة بالأمل رغم كل التحديات؟ وكيف ترين مستقبل غزة في ظل الظروف الراهنة؟
رغم كل المعاناة، يبقى الشعب الفلسطيني في غزة يعيش بروح التحدي. الأمل يبقى حيًا في قلوبنا لأننا نؤمن بأن الحق لن يضيع في وطن ثائر على حقه في وطنه وكرامته.